السرخسي

111

المبسوط

بمهر منجم وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول أولا في الكراء إلى مكة لا يعطيه شيئا من الكراء حتى يرجع من مكة وهو قول زفر رحمه الله لان مقصوده لا يتم الا به ووجوب تسليم الاجر بعد حصول المقصود كما لو استأجر خياطا ليخيط له ثوبا لا يلزمه ايفاء الاجر ما لم يفرغ من العمل ثم رجع فقال كلما سار مسيرا له من الاجر شئ معروف فله أن يأخذه بذلك وهو قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله لان العمل بحسبه يصير مسلما وإنما يجب تسليم الاجر عند تسليم ما يقابله وكان ينبغي في القياس أنه كما سار شيئا ولو خطوة يجب تسليم ما يقابله من الاجر ولكن ذلك القدر لا يعرف فلو أخذنا بالقياس لم نتفرغ إلى شغل آخر بل يسلم الاجر في كل ساعة بقدر ما يستوفي من العمل وذلك بعيد وكان الكرخي رحمه الله يقول كلما سار مرحلة أو في حصته من الاجر وعن أبي يوسف رحمه الله قال إذا سار ثلث الطريق طالب بحصته من الاجر لان هذا القدر من الطريق قد يكترى المرء فيه دابة ثم ينتقل إلى أخرى وعلى هذا لو استأجر دارا مدة معلومة ففي قوله الأول ما لم تنته المدة لا يجب تسليم الاجر وفي قوله الاخر إذا مضى من المدة ماله حصة معلومة من الاجر يجب ايفاء الاجر بحسابه فالكرخي رحمه الله قدر ذلك بيوم وان عجل الاجر كله فهو جائز لأنه أخذ بالفضل وأوفى قبل وجوب الايفاء فهو كمن عليه الدين المؤجل إذا عجله وليس له أن يرجع فيما عجل من الاجر لان المستأجر ملك ذلك بالقبض بعد انعقاد العقد فلا يرجع فيه حال بقاء العقد وان شرط في العقد أن لا يسلم الاجر حتى يرجع أو حتى تنتهي المدة فهو جائز أما في قوله الأول فهذا شرط يوافق مقتضي العقد وفي قوله الاخر هذا اشتراط الاجل في الاجر والأجر قياس الثمن يثبت الاجل فيه إذا كان دينا ولا يصح التأجيل فيه إذا كان عينا ولو أبرأه عن جميع الاجر أو وهبه له فإن كان ذلك دينا لم يصح ذلك في قول أبى يوسف الاخر رحمه الله وصح في قوله الأول وهو قول محمد رحمه الله ولا تبطل به الإجارة وإن كان عينا لم يصح حتى يقبل الاخر فان قبل بطلت الإجارة لان المعين من الاجر كالمبيع والمشترى إذا وهب المبيع من البائع قبل القبض لا تصح الهبة ما لم يقبل فإذا قبل انفسخ العقد فأما إذا كان دينا فمن أصحابنا رحمهم الله من يقول في قول أبى يوسف الأول وهو قول محمد رحمهما الله يجب الاجر بالعقد مؤجلا والابراء عن الدين المؤجل صحيح وفي قوله الاخر لا يجب بنفس العقد عينا كان أو دينا والابراء قبل الوجوب لا يصح وعلى هذا الأصل